|
لقد تحولت مشكلة حوادث الطرق إلى ظاهرة خطيرة يعاني
منها مجتمعنا الليبي وتتفاقم آثارها الصحية
والاجتماعية والاقتصادية يوماً بعد يوم .
ولقد تنوعت جوانب وصور الإضرار الجسيمة الناتجة عن هذه
الظاهرة فبالإضافة إلى الخسائر البشرية الفادحة
المتمثلة في فقد أرواح عزيزة لشريحة من خيرة شبابنا
وأبناءنا أو وقوعهم ضحايا لإعاقات وإصابات مزمنة تعطل
إمكانياتهم وقدراتهم.. فإن التكاليف الاقتصادية
والاجتماعية لهذه الظاهرة هي أيضا باهظة وعلى كافة
المستويات، خصوصا إذا ما علمنا أن أغلب ضحايا هذه
الحوادث هم من فئة الشباب المنتج الذين تعتمد عليهم
أسرهم ويعوّل عليهم الوطن في بناء حاضره ومستقبله .
وتشير الإحصاءات إلى أن حجم الخسائر البشرية قد تزايد
بشكل خطير خلال السنوات الأخيرة ، فخلال الفترة من سنة
(2003ف إلى سنة 2007ف) ( خمس سنوات) بلغ حجم هذه
الخسائر ما مجموعه (9333) حالة وفاة في مختلف مناطق
الجماهيرية منها عدد ( 2138) حالة وفاة خلال سنة 2007ف
وحدها ، بالإضافة إلى أضعاف هذا العدد من الجرحي
والمعوقين وأصحاب العاهات .
أما في الجانب الاقتصادي فيصعب تقدير الخسائر حيث
يترتب على فقدان العنصر البشري المنتج ضياع لمورد
اقتصادي هو الأهم كان من الممكن الاستفادة منه في
تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتنمية دخل المجتمع
، بالإضافة إلى تكاليف العلاج والرعاية الصحية والضمان
الاجتماعي وإعادة تأهيل ضحايا هذه الحوادث وهي تكلفة
إضافية كان يمكن توجيهها والاستفادة منها في أغراض
أخرى يحتاج إليها المجتمع.
وقد قدّرت بعض الدراسات حجم الخسائر الاقتصادية الكلية
التي تحملها المجتمع الليبي نتيجة هذه الظاهرة بأكثر
من (1500) مليون دينار خلال سنة 2007ف وحدها .
أما الخسائر والآثار النفسية والاجتماعية فلا تقدر
بثمن .
لقد أصبحت هذه الظاهرة تمثل خطراً داهماً يهدد حياة كل
فرد وامتدت آثارها الكارثية لتصل تقريبا إلى كل بيت
وكل أسرة على امتداد هذا الوطن تؤرق راحتهم وتربك سير
حياتهم .
فكم من أطفال صغار جلسوا ينتظرون عودة الوالد الذي
ودعهم وخرج باحثا عن الرزق ولم يعد إليهم أبداً
ليتركهم دون عائل أو معين .
وكم من أب وأم ودعوا أبنهم الشاب اليافع الذي دفعوا
الغالي والرخيص في سبيل تربيته وإعداده متحملين شظف
العيش ومعاناته حتى يصل الى ما وصل إليه على أمل أن
يشد أزرهم ويتحمل عنهم أعباء الحياة عندما يبلغ بهم
العمر أرذله ، ليفاجئوا بالخبر المفجع بأنه فقد حياته
ربما بسبب علامة مرورية مفقودة أو حفرة غائرة بالطريق.
وكم من زوجة فقدت الزوج العائل والمعين لتجد نفسها
فجأة وقد أصبحت وحيدة في صحراء الحياة ليس لها من مؤنس
أو رفيق إلا الحزن والألم والدموع .
إنها الكارثة الصامتة التي صارت تصرخ في وجوهنا جميعا
بما تحمله من دماء وألم ومعاناة ، والحرب غير المعلنة
التي تجري تحت أسماعنا وأبصارنا ، تحصد أرواح أبناءنا
وتشرد عائلاتهم وتيتم أطفالهم دون أن نحرك ساكنا أو
نقف وقفة جادة لدرء هذا الخطر الذي أصبح يهدد الجميع
دون استثناء .
من هنا جاءت الدعوة إلى انعقاد هذا المؤتمر الذي يعد
بمثابة ناقوس خطر ينبه إلى أبعاد هذه الظاهرة الخطيرة
ويحلل أسبابها ويوضح الآثار والنتائج المترتبة عنها
ويقترح الحلول والمعالجات التي توضع أمام المسئولين في
هذا البلد لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من أضرارها
المتزايدة على الفرد والمجتمع .
روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
قال ""لو أن بغلة بالعراق تعثرت لسُئل عنها عمر ،
لماذا لم يمهد لها الطريق؟ "
وعلى مدى يومين كاملين وتزامنا مع اليوم العالمي
والأسبوع العربي الموحد للمرور تم عقد جلسات هذا
المؤتمر بمشاركة خبراء وبحاث محليين ودوليين في كافة
التخصصات ، حيث تم عرض ومناقشة العديد من البحوث
والتقارير والدراسات التي غطت محاور المؤتمر الرئيسية
التالية :
1 . المحور الصحي .
2 . المحور البيئي والهندسي .
3 . المحور الاقتصادي والاجتماعي .
4 . المحور القانوني .
5 . المحور التعليمي والتوعوي .
وبعد نقاش مستفيض اتسم بالطرح الجدي لمختلف القضايا
التي تناولتها محاور المؤتمر وبعد تحليل العوامل
والأسباب الكامنة خلف تفاقم هذه الظاهرة واستفحالها
والتي يمكن تقسيمها إلى مجموعة العوامل التالية :
1. عوامل وأسباب فنية وهندسية وتتمثل في الحالة
الهندسية السيئة للطرق داخل وخارج المدن والمناطق وعدم
تناسبها مع الزيادة المضطردة في عدد المركبات،
بالإضافة إلى نقص وانعدام العلامات المرورية الثابتة
والأرضية . هذا بالإضافة إلى الحالة الفنية السيئة
لأغلب المركبات وانعدام شروط السلامة بها.
2 . عوامل تشريعية وقانونية نتيجة القصور في النظم
القانونية المتعلقة بالسلامة المرورية ، ويقصد بالنظم
القانونية هنا مجموعة التشريعات المتعلقة بالسلامة
المرورية والقوانين المرتبطة بها ، وكذلك الأجهزة
الموكل إليها تنفيذ هذه التشريعات .
3 . عوامل موضوعية وشخصية وتتمثل في عدم التزام
الأفراد بالقيادة الآمنة ومجموعة ( منظومة) القيم
الأخلاقية السائدة و آداب المرور.
بناء على ما سبق فإن المشاركين في المؤتمر يؤكدون على
ضرورة العمل بتوصيات هذا المؤتمر للحد من هذه الظاهرة
ومعالجة الآثار الناجمة عنها ، ويتطلب ذلك تدخلاً
عاجلاً من قبل الدولة باعتبارها المسئول الأول قانوناً
عن الحفاظ على حياة مواطنيها وممتلكاتهم ، وباعتبارها
المؤسسة الوحيدة القادرة بما لديها من إمكانيات على
ضمان إنسياب حركة المرور بشكل أمن وذلك عن طريق سن
التشريعات والقوانين وتحقيق الشروط الأساسية الواجب
توافرها في الطرق العامة ، ويتطلب ذلك ضرورة العمل
بالتوصيات التالية :
1 . العمل بشكل عاجل على صيانة وترميم الطرق القائمة
حاليا داخل المدن وخارجها ووضع العلامات والإرشادات
المرورية اللازمة (مانعة وتحذيرية وإرشادية) عليها
وإنارتها وتوسيعها لتستوعب الزيادة في المركبات وحركة
النقل.
2 . تفعيل الدراسات المتعلقة بالمخطط العام لشبكة
الطرق وذلك لغرض إنشاء شبكة طرق حديثة ومتكاملة تأخذ
في اعتبارها الزيادة المستمرة في حركة النقل الناتجة
عن النمو الاقتصادي وزيادة عدد السكان .
3 . مراعاة الاختلافات البيئية بين مناطق الجماهيرية
المختلفة عند إعداد المواصفات الفنية للطرق خاصة عند
التعاقد مع الشركات المنفذة للطرق في المناطق الجنوبية
ذات الحرارة المرتفعة .
4 . استخدام أنظمة المعلومات الجغرافية في رصد وحصر
إحصائيات الطرق وإنشاء خريطة معلوماتية .
5 . الاهتمام بمعايير السلامة المتعلقة بالمركبات
وتفعيل القوانين المتعلقة بها مع ضرورة العمل على وضع
معايير ومواصفات وطنية تراعي الجانب الفني والتقني
الذي يتماشى مع مناخ الجماهيرية ونظام السير المعتمد
فيها وإلزام الجهات الموردة للمركبات بالتقيد بهذه
المواصفات.
6 . إنشاء منظومة للنقل العام الجماعي البري بكافة
أشكاله ومتطلباته للتخفيف من الضغط على الطرقات العامة
وتقليص أخطار الحوادث .
7 . تبنى أحدث أساليب نظام الإخلاء الطبي لنقل وإسعاف
الحالات الحرجة وتحديث وتطوير جهاز الإسعاف الطائر
وربطه بكافة مراكز الإسعاف بمناطق الجماهيرية .
8 . تطوير وتحديث أساليب الإنعاش والإسعاف الأولى في
مسرح الحادث واستحداث برامج تدريبية للأطقم المسعفة ،
بالإضافة إلى تطوير الأطقم الطبية والمساعدة في مجال
إصابات حوادث الطرق .
9 . استحداث مراكز إسعاف متطورة ومجهزة ومتصلة بشبكات
الطرق الرئيسية والفرعية بين كافة مدن الجماهيرية أسوة
بما هو موجود بدول العالم المتطورة .
10. استحداث أقسام لإصابات الحوادث وتطوير القائم منها
بكافة المستشفيات العامة.
11. إنشاء مراكز طبية متطورة وقابلة للتحديث مشتملة
على كافة التخصصات الطبية في مجال معالجة إصابات حوادث
الطرق في المدن الرئيسية في الجماهيرية .
12. تطوير سبل الاتصال وتبادل المعلومات الطبية فيما
بين مختلف مراكز إسعاف الحوادث وكذلك بين الجهات
المعنية بوسائل النقل المسعفة لحوادث الطرق .
13. مد وربط قنوات التعاون مع الهيئات والمنظمات
الدولية ذات العلاقة لتطوير وتبادل الخبرة في مجالات
برامج التدريب والتخطيط لطب الطوارئ والإصابات.
14. وضع إستراتيجية وطنية شاملة تتضمن أهدافاً كمية
لتخفيض حوادث الطرق والتخفيف من الآثار السلبية
الناجمة عنها خلال إطار زمني محدد مع الاهتمام بجانب
البحث العلمي لتحديد أسباب الحوادث وأنواعها وسبل
معالجتها .
15 . تبنى برامج توعوية مكثفة تركز على دور الأسرة
والمدرسة ووسائل الإعلام والجمعيات الأهلية في التعريف
بقواعد السلامة المرورية وغرس أخلاقيات وقيم وآداب
المرور .
16. مراجعة وتحديث التشريعات المرورية بما يستوجب
تناسبها مع التطور العمراني والاجتماعي المستمر ، وسد
الثغرات في القوانين السارية بإصدار تشريعات جديدة
تسهم في التخفيف من حدة هذه الظاهرة الفتاكة .
17. تعديل التشريعات المرورية بما يضمن ملاءمتها
لاتفاقية حقوق الطفل ، وإيلاء الاعتبار لمصالح الطفل
الفضلى خاصة عند وضع الإشارات والعلامات المرورية في
الأماكن التي يتواجد فيها الأطفال .
18. تأهيل الكوادر ذات العلاقة في المجال المروري بما
يسهم في رفع إمكانياتهم الفنية من خلال استهدافهم في
دورات محلية وخارجية بشكل دوري ومستمر .
19. دعم إدارات وأقسام المرور بالقوة البشرية
وبالمعدات والآليات والأجهزة بالشكل الذي يتناسب مع
اتساع شبكة الطرق وكثافة حركة المرور .
20. الاهتمام بممرات المشاة وحماية الأماكن المخصصة
لهم ومنع الاعتداء على الأرصفة وإتاحة مجال آمن لعبور
المشاة بإنشاء وتنفيذ وتفعيل الإنفاق وجسور المشاة في
الأماكن المكتظة .
21. ضرورة إنشاء مجلس أعلى للسلامة المرورية يضم كل
القطاعات ذات العلاقة بالطرق العامة وإعطاءه الصفة
القانونية والدعم السياسي وأن تكون قرارته ملزمة لجميع
الجهات .
وفي الختام يؤكد المؤتمرون على ضرورة اتخاذ موقف عاجل
وحازم لتبنى ما توصل إليه هذا المؤتمر من توصيات ،
وفقاً لما تتطلبه حاجتنا الملحة – لا نقول للمعالجة –
ولكن للإنقاذ ، مع تمنياتنا باللقاء في مؤتمر جديد وقد
وجدت هذه التوصيات طريقها للتنفيذ .
والسلام عليكم ،،، ،،، ،
المشاركون في المؤتمر الوطني لحوادث الطرق
|